نقش ثمودي مختلط ( صورياً وكتابياً )

طباعة

في دولة الإمارات العربية المتحدة
قراءة أولية
الأستاذ الدكتور: يحيى عبابنة/ أستاذ في اللغويات التاريخية.
دكتوراه في اللغويات/فقه اللغة جامعة عين شمس/1990

هذا البريد محمى من المتطفلين. تحتاج إلى تشغيل الجافا سكريبت لمشاهدته.

قراءة الحرف في النقش

الجانب الكتابي:

ونعني به تلك الكتابات التي جعلها الناقش جزءاً من الرؤيا الكلية التي أراد أن يُعَبِّر عنها في التشكيل الفني. وتمتاز هذه الكتابات بسمَة يمكن أن نطلق عليها التطويع الفني، فصورة الحرف تعبير كتابي عن صوت (كتابة)، هو كذلك جزء من الصورة، فالناقش فنَّان من هذه الناحية.

ومن ميزات هذه الكتابة أنّها تظهر الكاتب أو الناقش على وعي كبير بأنواع الخطوط، فهو يعرف الخط الثمودي معرفة كاملة، ويدرك تداخل الصور في التعبير عن الرمز الكتابي، فالمعروف للمعنيين أن بعض الرموز كان يعبِّر عن أكثر من حرف واحد، فالرمز( ) كان يعبر عن العين والجيم معاً في نقوش ثموية مختلفة، غير أنه عبر عنهما في هذا النقش معاً، كما أن الرمز
( ) استعمل للتعبير عن صورتي الباء والسين، وفقاً لجهتي القراءة. وكذلك غيرهما من الرموز لمستعملة في النقش كما سنلاحظ.

ومن الخطوط الموجودة في النقش أيضاً الخط السرياني، ومن الغريب أن يكون هذا الخط معروفاً في هذا الوقت المبكر، إلا إذا كان الناقش يعرفه قبل وقت انتشاره الذي أعقب وقت انتشار الخطوط الثمودية.

ويمكن أن نتأول من التشكيل الصوري كلمتين كتبتا بالخط الكنعاني القديم الذي تبنّاه اليهود في المراحل الأولى من حياتهم التي عاشوها إلى جانب القبائل الكنعانية، قبل أن يقلعوا عن استعماله، ويستعملوا الخط الآرامي المربع الذي صار يعرف بالخط العبري المربَّع، وما زال مستعملاً عندهم إلى يومنا هذا.

وقبل النقل الصوتي (الكتابة الصوتية) لصور الحروف الموجودة في النقش ودلالاتها، أشير إلى قضية مهمة جداً في قراءة النقش، وهي التي لاحظناها في التشكيل الصوري الفني، فقد كانت الصورة قابلة للتشكيل أنّى جعلنا اتجاهها، فإذا نظرنا إليها عمودياً رأينا صورة ما، وإذا قلبناها، سنرى صورة أخرى، وهو أمر تمكن الناقش من نقله إلى الصور الكتابية أيضاً، فقد بدت الكلمة مقروءة بصورة ما من اليمين مثلاً ولكنك تستطيع أن تقرأها بصورة مختلفة من الشمال، ولكنها تصبح ذات دلالة أخرى، وهو أمر تحتمله الكتابات الثمودية التي لم يكن اتجاه الكتابة مهماً فيها، فالكاتب يستطيع أن يبدأ من الشمال إلى اليمين أو العكس، ويستطيع أن يكتب كتابة حلزونية من أي جهة شاء وكذلك من الأعلى إلى الأسفل أو من الأسفل إلى الأعلى، ولكن اتجاه الكتابة وقراءتها شيء، والقصد إلى تشكيل كتابي يُقرأ من جهات مختلفة بدلالات مختلفة مقصودة شيءٌ آخر، فهو لم يرد أن يجعل من نقشه نقشاً تذكارياً، بل أراد أن يصنع رؤيا، وأن يخلّد شيئاً يتعلق بالبعد الديني (غير الوثني)، ولذا فقد سخر معرفة واسعة بالخطوط والكتابات القديمة، كما ابتعد عن الخطين العبري المربع والعربي الشمالي (ما عدا الخط الثمودي المأخوذ من الخطوط العربية الجنوبية (اليمنية) المعروفة بالخط المسند.

ونستطيع أن نخمِّن سبب ابتعاده عن الخط العربي الشمالي الذي مازلنا نستعمله، وهو الذي كتب به القرآن الكريم، فالخط بكل بساطة لم يكن معروفاً أو شائعاً على الأقل، ولذا فإن الناقش لم يكن يعرفه.

وأما عدم استعمال الخط العبري المربع، فهو أن الناقش نفسه يريد أن يخفيه عن مستعملي هذا الخط، وهم اليهود؛ لأنه يخاف منهم ولا يريد أن يتعرض لردة فعلهم، فيقع في دائرة الأذى، أو يوقع عمله في تلك الدائرة، فلعله يريد أن يقول شيئاً ليس من السهولة أن يقوله بحريَّة.

الكلمات المستعملة في النقش:

سنقسم الكتابات المستعملة في النقش بحسب القلم الذي تنتمي إليه، إلى الأقسام الثلاثة الآتية:

1-

الكلمات الثمودية:

الكتابة الثمودية، كتابة عربية، استعملها العرب الشماليون قبل اكتشاف الخط العربي الشمالي بزمن ليس قصيراً، ويعيد أغلب الدارسين الخط الثمودي إلى القرن السابع أو الثامن قبل ميلاد نبي الله عيسى بن مريم عليه السلام، وقد قسم الباحث (Winnett) النقوش الثمودية التي عثر عليها حتى الآن إلى خمس مجموعات بحسب تاريخها، وهي:

*

المجموعة : أ ، وتعود إلى ما قبل القرن الخامس قبل الميلاد.

*

المجموعة: ب، وتعود إلى الفترة الواقعة بين القرن الثالث إلى القرن الأول قبل الميلاد أيضاً.

*

المجموعة: ج، وهـي تعود إلى القرن الأول أو الثانــي الميلاديين.

*

المجموعة: د، وتعود إلى المدة الواقعة بين القرنين الأول والثالث الميلاديين، فقد ورد فيها نقش مؤرَّخ بـ (267م).

*

المجموعة: هـ، وتعود إلى القرن الرابع أو الخامس الميلاديين(.. وينظر: آمنة الزعبي "اللهجة العربية الثمودية" (ص19)، Winnett, F, A Study of the Lehynite & Thamudic Inscriptions, PP.50-54).

وقد نقضت (Eerstin Eksell) هذا التقسيم، ورأت أنه لا يصدق على زمن النقوش الثمودية، وأعادت النقوش الثمودية إلى القرن الثامن قبل الميلاد (ksell, K, Meaning in Ancient North Arabian Carvings, P. 17).

ونورد ملاحظة يعرفها المعنيّون بالكتابات القديمة، وهي أن الكتابات الثمودية كأكثر اللغات السامية، لا تعني برسم الصوائت (الحركات) قصيرة كانت أم طويلة، فهم يكتبون (عالم) كما يكتبون (علم)، لا فرق بينهما، وإنما كانت تعرف صوتياً، لا كتابياً، وقد كتب المصحف الشريف على هذه الطريقة، وما زال كذلك إلى وقتنا الحاضر. والكلمات الثمودية متداخلة في نقشنا هذا تداخلاً مقصوداً عجيباً بحسب التفريغ، فالمساحة التي تفصل بين كل حرف وآخر هي حرف لكلمة أخرى تتداخل معها، وهكذا بين كل حرفين، وهي تقرأ من اليمين إلى اليسار في التشكيلين الناتجين عن التداخل الذي ذكرناه، وهذه الكلمات هي:

 

العبارة الثمودية الأولى:

وجميع هذه القراءات لها تفسير يرتبط بالصورة والدلالات التي تحملها. وتفصيلها على النحو الآتي:

وهي القراءة التي تحتملها الرؤيا العامة للصورة، وتعني وفقاً للتحليل الذي نرتئيه: الشديد الجماع اللئيم، وجاء في العربية: الطاء: الرجل الكثير الجماع، وفي بعض الكتب: (الشيخ الكثير النكاح)(الخليل بن أحمد الفراهيدي، (الحروف، ضمن كتاب، ثلاثة كتب في الحروف)، حققه رمضان عبد التواب (ص20).)، وعليه قول زهير بن أبي سلمى:

وإني وإن قَلَّ في كُل الهوى طمعي


طاء الجماع قويٌّ غير عنِّينِ

ويمكن أن يكون الناقش قد قصد أن يهجو الرجل الموجود في الوضع (أ) بأنه شيخ نكوح، أو لعلّه قصد إلى القول بأنه فحل، وعند ذلك لا يكون في العبارة هجاء. ومن الجدير بالذكر أن النقش على هذه القراءة قد أهمل التعبير عن الهمزة، وهو أمر مألوف في لغة النقوش الثمودية، ولهذا السقوط نظائر، كما في كلمة (brt) بمعنى (بريئة) ( Harding & Littmann, Some Thamudic Inscriptions, No. 293)، وكلمة (hd) بمعنى (هدوء) (Jaussen & Savignac, Mission archeologique en Arabie, No. 374)، وقد جاءت دون همزة.

وهو إخبار عن مبتدأ مقدّر ، تدل عليه الصورة، أي: هذا طبنٌ لكَعٌ. والطَّبن والطبانية: الفطنة، ورجل طَبنٌ: فَطنٌ حاذقٌ عالمٌ بكل شيء (نشوان الحميري (شمس العلوم) (ص4060).)، و(طَبَننَ): تعني دَفَنَ النارَ ،(المرجع السابق (ص4062).) وهو معنى مرجّح، لعله مرتبط بقول الله على لسان موسى عليه السلام: ]إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى[ ( سورة طه الآية (10).)، فيكون المعنى أن صاحب هذه الصورة هو طابن النار، أي: مطفئها، وأرجِّح أن يكون اللفظ: طَبنٌ أو طابن بمعنى الفطن أو المخادع. وأما اللُّكع فهو الؤم مع حمق ودناءة (ابن منظور، (لسان العرب)، لكع (8/383).).

ذكرنا معنى (طاء) سابقاً، وأمَّا (لهع) أو (لهيع)، فهو المسترسل في الكلام، أو المتفيهق فيه، أو أنه المتواني في الشراء والبيع، أو هو من فيه فتور أو كسل (ابن منظور، (لسان العرب)، (لهع) (8/389).)، وكلُّها دلالات تحتملها الكلمة في رسمها الذي نراه.

لقد أوردنا سابقاً أن الطَّبن هو الفطن الحاذق العالم بكل شيء، وأوردنا في الفقرة السابقة أن اللهع هو المسترسل في الحديث، أو الذي فيه فتورٌ، في حديثه أو سلوكه، فيكون الكلام إشارة إلى الرجل الذي نراه في الوضع (أ)، هو رجل فَطِنٌ مسترسلٌ في الحديث، متفيهقٌ فيه، وهو كلامٌ يمدح به هذا الشخص.

ربما كان لفظه (لسيع)، وهي صيغة (فعيل) بمعنى مفعول، أي المجامع الملسوع (الملدوغ) كما نقول: لديغ أو جريح، بمعنى ملدوغ أو مجروح.

أي: فطِنٌ ملسوع كناية عما تعرَّض له الرجل الذي نراه في الوضع (أ) من غدر وخديعة، أو أنه مَن تعرَّض للسع من نارٍ أو من الهوام والأفاعي.

وتعني هذه العبارة النكوح ابن المثابر على الأمر (النكاح) الولوع به، أي أن هذا الرجل منكاح كوالده، مثابر عليه.

وتعني هذه العبارة أن هذا الرجل فطنٌ عالم بكل شيء، حاذق، مثابر على الفطنة والعلم، وله علاقة باللسان.

فاللهجة في اللغة: طرف اللسان(ابن منظور، (لسان العرب) (لهج) (2/419).). ومن المفيد أن نذكر هنا أن الكاتب قصد إلى تعدد القراءات، كما قصد إلى تنوع الدلالات، فقد كان يقصد أن يمدح أو يذم، وتقودنا الصورة إلى تحديد الممدوح أو المذموم، فصاحب الصورة الحسنة، كان هو المقصود بالمدح، وأما الشخص صاحب الأوصاف الذميمة، فهو المذموم بهذه الصفات السيئة.

 

* العبارة الثمودية الثانية:

تقرأ هذه الكلمة من الوضع (ب)، تحت الصورة المواجهة للرجل ذي العين الواحدة، وكتابتها الصوتية على النحو الآتي:

وغيرها من القراءات الصوتية المحتملة، وفيما يأتي دلالات الألفاظ المذكورة:

النسب في اللغة هو القرابة في الأبناء والآباء خاصَّة، ويكون في البلاد أيضا، ومنه يقال: انتسب واستنسب، أي ذَكَرَ نسبه (ابن منظور، (لسان العرب)، (نسب)، (1/889). وابن فارس: (مجمل اللغة) (نسب) (4/399-400).)، وأما كلمة (ghl)، فهي (جهل(، ويمكن قراءتها بصور مختلفة، ولكنّها تحتمل المعنى نفسه، فقد تكون (جاهل النسب) بمعنى مجهول النسب، كما في كلمة (دافق) في قوله تعالى: ]خُلِقَ مِن مَّاء دَافِقٍ[( سورة الطارق آية (6). )، بمعنى مدفوق، فيكون المعنى: الذي يجهل الناس نسبه ولا يعرفونه، كأن يكون لقيطاً مثلاً، أو قد تكون اسم فاعل، والمعنى: الذي يجهل نسبه ولا يعرف أباه أو نَسَبَ أبيه. وقد تكون (جهيل) على وزن (فعيل) بمعنى مجهول، كما نقول: أسير وقتيل بمعنى مأسور ومقتول، وجاء في العربية أمثلة كثيرة على صيغة فعيل بمعنى مفعول، وقدأوردنا جانباً كبيراً منها في كتابنا "دراسات في فقه اللغة وفنولوجيا العربية"، ونورد هنا بعضها اختصاراً:

بعيث بمعنى مبعوث، وهو الرسول، وحليب بمعنى محلوب ، وأخيذ بمعنى مأخوذ، وأسير بمعنى مأسور، وحنيذ بمعنى محنوذ، أي: مشوي، ودفين بمعنى مدفون، وظنين بمعنى مظنون به، وذبيح بمعنى مذبوح، وجريح بمعنى مجروح، وكحيل بمعنى محكول، وطحين بمعنى مطحون، وغيرها كثير (يحيى عبابنه، (دراسات في فقه اللغة والفنولوجيا العربية)، (75-81).).

النبط قوم معروفون كانوا يقيمون في مناطق واسعة من البوادي الشامية والعراق، وقد علا شأنهم في القرون التي عايشت وضع هذا النقش، أي القرون التي سبقت الميلاد، إلى أن قام الرومان باستئصال شأفتهم في أوائل القرن الثاني الميلادي، وتخريب عاصمتهم (البتراء)، وهي اليوم خرائب كثيرة تقع في جنوب الأردن.

وقد جاء في اللغة ما يحمل انتقاصاً منهم من جهة عروبتهم، ولهذا جاء عن عمر بن الخطاب أنه قال: (تمعددوا ولا تستنبطوا) (ابن الأثير، (النهاية في غريب الحديث والأثر)، (5/9).)، أي: تشبَّهوا بمعد، ولا تتشبَّهوا بالنبط، وقد وصفوا بالحذق في الزراعة والتجارة.

ومن دلالته أيضاً الموت (ابن الأثير، (النهاية في غريب الحديث والأثر)، (لهج) (7/466).) . وعلى هذا يكون معنى هذه العبارة (جهل نبط) أي النبطي المجهول، أو الأعجمي غير الواضح المعروف.

ومعناه القريب المأخذ هو الجاهل الذي آذى الآخرين بصوته، فهو كالكلب النابح، الذي ينبح الآخرين دون فائدة، أو أن يكون (جاهل نابح)، أي أن صفته أنه كذلك، ومن معانيه أيضاً: مجهول الصوت الذي لا يعرف أحدٌ صوته، فهو كالكلب الذي يختلط صوته بأصوات كثيرة.

ومعناه القريب المأخذ هو الجاهل الذي آذى الآخرين بصوته، فهو كالكلب النابح، الذي ينبح الآخرين دون فائدة، أو أن يكون (جاهل نابح)، أي أن صفته أنه كذلك، ومن معانيه أيضاً: مجهول الصوت الذي لا يعرف أحدٌ صوته، فهو كالكلب الذي يختلط صوته بأصوات كثيرة.

ومعناه القريب المأخذ هو الجاهل الذي آذى الآخرين بصوته، فهو كالكلب النابح، الذي ينبح الآخرين دون فائدة، أو أن يكون (جاهل نابح)، أي أن صفته أنه كذلك، ومن معانيه أيضاً: مجهول الصوت الذي لا يعرف أحدٌ صوته، فهو كالكلب الذي يختلط صوته بأصوات كثيرة.

 

* العبارة الثمودية الثالثة:

إن الكشف عن موقع هذه العبارة يحتاج إلى خبرة في التعامل مع النقوش القديمة، ولا سيما مع هذا النقش، فقد موَّهها الناقش تمويهاً ذكياً جداً، إذ إنَّه كتب العبارتين السابقتين اللتين تقرآن من اليمين إلى الشمال ومن الشمال إلى اليمين، بالحروف النافرة (البارزة)، وقد اختار الرموز بعناية فائقة، بحيث مثّلت المناطق المحفورة (الغائرة) عبارة مستقلة أيضاً، ويستطيع قارئ هذه الدراسة أن يكتشف هذا بسهولة الآن، إذا دقق النظر في لون الخط، فبين الحروف السوداء خطوط بيضاء، تبدوا أوّل وهلة كما لو كانت تفريغات الحفر، ولكنها لم تكن تفريغت عبثية، بل مثَّلت عبارة مستلقَّة.وتفريغ هذه العبارة هو:

قراءات العبارة:

لم تسعفنا المراجع في الوصول إلى دلالة لأحد اشتقاقات (أفح) سوى أن (أفيح) هو اسم موضع قريب من ديار قبيلة مذحج العربية (ابن الأثير، (النهاية) (2/473).) ، وهو موضع يقع إلى الشرق من ديار أزذ شنوءة، شمالي اليمن(رابين تشيم، (اللهجات العربية الغربية القديمة)، (ص195).).

ودلالته من دلالة المواجهة، أي: لاقى الآخر وجهاً لوجه، أي: فاجأ وجهه، ومنه المكافحة في الحرب، ومن دلالات هذا الجذر: الجبن، كفِحَ بمعنى: جَبُن(المرجع السابق، (كفح) (2/678).) . فيكون المعنى: جبان إذا ارتبط بالوضع (ب)، والمصادق المحارب، إذا ارتبط بالوضع (أ).

جاء في اللغة أن (أمح) معنى يرتبط بالجرح، وهو أن الجرح يضرب على صاحبه بألم (المرجع السابق، (أمح) (2/473).)، ونحن نربط هذا المعنى بالوضع (أ)، ويؤيد هذا تلك الزفرة التي تخرج من فمه، وما يبدو من علامات الألم والدموع التي نراها على وجه الشاب في الوضع (أ).

دمح: طأطأ رأسه أو ظهره وحناه (رابين تشيم، (اللهجات العربية الغربية القديمة)، (دمح) (2/510).)، ولعل في هذا ما يمكن أن يكون تعريضاً بالذل الذي سيلحق بمن اتخذ الأذى (العقرب)، والخبث (القرد)، والقذارة (الخنزير) ولياً له، وهو الشخص في الوضع (ب).

 

* الكلمة الثمودية الرابعة:

وكتابتها ،وهي الكلمة نفسها التي نجدها في الفقرات السابقة، غير أن اتجاه القراءة وتأويل رسم الحروف الثمودية مختلف، ويحتمل قراءات أخرى، وهي:

أي حَمد، أو حامد، أو حميد، وهو من الصفات الحسنة، ولعله إيماء على الشخص في الوضع (أ).

معناه من معنى الخفّة في العمل والسرعة فيه، والاحتفاد: السرعة في كل شيء، والحفدان كذلك (رابين تشيم، (اللهجات العربية الغربية القديمة)،(لهج) (2/419).)،ومن المرجَّح أنَّه يدل على الشخص في الوضع (ب)، فقد رُوي عن الأعور الدجال أنه يطوي الأرض طياً، ولعل في هذا إشارة إلى أنه كان من أعوان القرد والخنزير الظاهرين في الصورة إن كانت تعبيراً عن هذه الرؤيا، وهو أمرٌ فيه وجاهة وترجيح، فإن من صفة سرعة الدجال أنه (كالغيث استدبرته الريح) ( ابن كثير، (النهاية في الفتن والملاحم) (1/121).) .

الأولى: الطين الأسود المنتن الذي يكون في الماء الراكد كالآبار، والثانية من الغضب من الشيء(ابن منظور، (لسان العرب)، (حمأ) (1/74-75)) ، فإذا كانت من دلالة النتن، فهي دالة على الوضع (ب)، لأن الناقش قد عبَّر عنه تعبيراً سلبياً شكلاً ودلالة، فأراد أن يُشنِّع عليه في الدلالة، وأما إذا كانت من معنى الغضب، فإن المرجح أن يكون المقصود منها هو الشخص في الوضع (أ).

امتلأ، وطفح عقله بمعنى ارتفع، والسكران يقال له طافح إذا ملأه الشراب (المرجع السابق، (طفح) (2/627)) ، وارجِّح أن يكون من معنى الارتفاع بالعقل، وهو بهذا صفة للرجل في الوضع (أ).

 

* الكلمة الثمودية السادسة:

وهي الكلمة السابقة مقلوبة رأساً على عقب ومعكوسة أيضاً، وتقرأ: ، وقد قرأناها على النحو الآتي

وصف بأنه فعل ممات، وهو (حَمَطَ يَحْمُط)، والتحميط: أن يُضرب الرجل فيقول: لم يوجعني ضربه (ابن منظور، (لسان العرب) (حمط) (7/312))، وإذا كان من هذه الدلالة التي أرجِّحها، فإن المعنى أن هذا الشخص (ب) مع ما يمتلكه من الأذى والخبث والقذارة التي تدل عليها رسوم العقرب والقرد والخنزير لا يملك ما يضر به الآخرين (الشخص أ).

(المرجع السابق، (ذمط) (7/340).)، ولكنه قد يستعار في اللغة الأدبية والتعمية، للتعبير عن السرعة للبشر. وهذا ما تمكنا من قوله في الكلمات الثمودية التي رصدناه حتى الآن، غير أن هذا الأمر ليس نهائياً، فربما كان الوقت ليس كافياً لمثل هذا النقش الزاخر بالدلالات، وسيكون لنا رجع نظر فيه مرات.

2-

الكلمات السريانية:

لا يمكن الجزم بأن الكلمات التي نلاحظها مباشرة في النقش كانت تشكيلات صورية، فإذا كانت كما نعتقد، فإن هذه الكتابة السريانية تعد أقدم تشكيل كتابي سرياني على الإطلاق، وقد كتب بخط السرطو أو النسطوري، وليس بالخط السرياني الاسترانجولي، وهو عبارة عن كلمة واحدة نقرأها من اليمين إلى الشمال مع كل من الصورتين (الوضعين أ و ب).

وأما عن عدد الكلمات السريانية في النقش، فلا يزيد على كلمتين تقرأ الأولى من الوضع (أ)، من اليمين إلى اليسار، فإذا قلب النقش إلى الوضع (ب)، فإن النقش سيقرأ من اليمين إلى اليسار على صورة أخرى، وبدلالة مختلفة تماماً، وفيما يلي تفصيل ذلك:

1- الوضع (أ):

2- الوضع (ب):

وأما إذا كانت مخففة فإنها ستكون من النتن، وهو القذارة.

هذه هي الكلمات التي رأيناها في النقش، ولعل إرجاع النظر فيه مرات، وهو ما يحتاج إليه هذا النقش الفريد، سيقدم شيئاً جديداً، ومن الممكن أن يطَّلع عليه غيرنا مين بعلم الكتابات القديمة، وعندها قد يضيف شيئاً جديداً، أو يقول فيه غير ما قلنا.

مسألة المزج بين الصورة والكتابة في النقوش الثمودية القديمة:

لا نستطيع أن نقول إن لهذا النقش مثيلاً، بل هو في حدود ما نعلم لوحة فنية ذات رؤى دينية ليس لها نظير، وهذا لا يعني أبداً اجتماع الرسم مع الكلمة، فهذا الاجتماع موجود حتى فيما نعرفه باسم (مخربشات الرعاة)، كما في النقشين المرفقين بعد قليل، ولكن الغريب في هذا النقش هو الفنية العالية التي مكَّنت صاحب النقش من التعبير عن عدد من المعاني والدلالات عن طريق المزج بين الصورة والكتابة، بالخطوط نفسها، أي أنَّه كان يسخر الخطوط التي يرسم بها الصور للتعبير عن الكتابة، كما يستخدم الكتابة لتكون جزءاً من الأجزاء التعبيرية عن الصورة، فالأنف مثلاً قد يكون أنفاً للوضع (أ)، كما يكون أذناً للوضع (ب)، وقد يكون جزءاً من الكلمة، وكذلك الأذن، والفم، وغيرهما مما رأيناه في عرض الكتابة والصور.

وأما أن يضمِّن الثمودي أو الناقش بالقلم الثمودي أو القلم الصفاوي نقشه صورة معزولة عن مثل هذا التمازج، فهو أمر معروف، وإن كان فيه من البداءة والبساطة ما ليس موجوداً في هذا النص الذي كان كل خط فيه محسوباً بعناية فائقة، قد لا نجد لها نظيراً، بل إنني لم أرَ ولم أسمع بمثله في فنون العالم القديم.

(1) ومن الأمثلة على بساطة التعبير الذي يستعمل فيه الناقش الصورة دون مدلول أو مضامين ما جاء في النقوش الثمودية نفسها(النقشان من نقوش (Eksell): ينظر: Eksell. K. Meaning in Ancient North Arabian Carvings. P. 87

على أننا نقول مرة أخرى إن هذه الرسوم رسوم ساذجة إذا ما قيست بالنقش الذي ندرسه، وأزيد هنا أن هذا النقش يمكن كتابة الكثير من الملاحظات حول رؤاه المرتبطة بقصة الدجال بلا شك، فالمدلولات التي تجمعت فيه تشير إلى هذه القضية، والصور والكتابات تتشابك فيما بينها لتنقل الرؤيا الدينية التي تتعلق بالدجال وما يرافقه من أذا وبعد عن الإنسانية واتحاد مع عناصر الشر التي رمز إليها بالقرد والعقرب والخنزير، وربما الشيطان الذي يسيِّر خطاه، وهو ما نتركه لدراسة مفصّلة سنعد لها في الأيام المقبلة بحول الله تعالى، وقد كان غرضنا هنا التعريف والتحليل لما نشاهده في اللوحة دون أن نغوص في دلالاتها.

والله يهدي إلى سواء السبيل.